أبي حيان التوحيدي

363

المقابسات

قرأت في أخبار الملك الحكيم الإسكندر أنه كتب إلى معلمه أرسطوطاليس يصف له ما رأى في مسيره إلى الهند من الأمور العجيبة ، والأحوال الهائلة ، فكان فيما كتب له : أيها الحكيم ، إننا انتهينا إلى خليج من البحر من ورائه مدينة عظيمة من مدائن الهند ، ورأينا في اللجة من ذلك الخليج شيئا ناشزا بارزا كهيئة الجزيرة [ فأردت عبوره ] فمنعني منه صديقي فيلون وقال بل أعبر أنا أولا ، فإن كان هناك مكروه وقع في دونك ، فإنه إن هلك فيلون وجد الإسكندر منه خلفا ، وإن فقد الإسكندر ، لا فقد ، لم يكن على وجه الأرض خلف . فعبر فيلون وعدة من خلانى وخلصانى ، فإذا ذلك الذي رأينا في البحر دابة عظيمة من دوابه ، فلما دنا أصحابي منها غاصت في البحر فاضطرب الماء وغشى الموج سفائن أصحابي فأغرقها ، فلما شاهدت ذلك اشتدّ جزعي على صديقي فيلون ومن غرق معه من خلانى ، وانصرفت عن ذلك بقلب مصدوع ، وطرف مولع بالدموع فسئل عند هذه الحكاية عن مسائل من شكل حقائق الصديق فأجاب عنها غير متكلف ولا متعسف بعد تفاد ظهر واستعفاء قدم وأخر وقال : كل مسألة من هذه [ المسائل ] تستوعب فكر النفس ، وتفرق بال الانسان ، وتأخذ به في أقطار العلم ، وتضله في قفار البحث ؛ وما أحب أن تسجل على بكل ما يسمع منى ، فرشائى قصير ، ووردى ثمد ، وحظى نزر فقيل له على ذلك : أخبرنا ما العشق ؟ فقال : تشوق إلى كمال ما بحركة دالة على صبوة ذي شكل إلى شكله . قيل له : فما المحبة ؟ قال : هي منوال العشق ، إلا إنها محاولة الحال إلى الاتصال ، اتصالا يرفع التميز رفعا ، ويقطع التحيز قطعا ، وتحدث الكلف ، وتورث التلف . قيل : فما الكلف ؟ قال : كأنه اللزوم للشئ .